برنامج ابداع .. هو برنامج اذاعي اعده و اقدمه على اذاعة زمالك اف ام .. العاشرة مساء السبت من كل اسبوع

وهو برنامج يتناول رموز الادب العربي و ابداعاتهم

ابداع – الحلقة الاولى – امل دنقل ج1

ابداع – الحلقة الثانية – امل دنقل ج2

——————————-

الحلقة الثالثة

——————————-

الجنوبي – امل دنقل – ج3

اذيعت بتاريخ 21 اغسطس عام 2010

تسجيل كامل للحلقة

اصدقائي
مرحبا بكم مجددا .. مع برنامجكم الاسبوعي .. ابداع .. على اذاعتكم زمالك اف ام
تحدثنا في الحلقتين السابقتين ..عن شاعرنا العظيم .. الجنوبي .. امل دنقل
و راينا سويا ظروف نشأته الصعبه .. و موت والده في سن مبكر و تركه للدراسة في كلية الاداب من عامه الاول فيها .. ثم شاهدنا ظهوره القوي في الوسط الثقافي المصري مع رائعته زرقاء اليمامه ابان نكسة عام 1967
ثم سمعنا سويا كلماته الهادره في محاربة الفساد الداخلي و مطالبته للمصريين بالقتال لمحو العار .. في قصيدته .. الموت في الفراش .. ثم شاطرناه لحظاته الصعبه في موت الزعيم الخالد جمال عبد الناصر و رثائيته الواقعية و المؤثره في وفاة الزعيم .. لا وقت للبكاء
و عرفنا كيف تطور كشاعر سياسي ثائر تاثر بالواقع المصري و العربي المحيط .. و تفاعل معه بالكلمات .. و الفعل .. و سمعنا قصيدته الكعكه الحجريه .. التي قالها محمولا على الاعناق في جموع المتظاهرين في ميدان التحرير  عام 1972
من الطلبه الرافضين لحالة اللا سلم و اللا حرب وقتها
مما جعله ضميرا حيا للامة ينبض بما تريد ان تقول .. باشعارة الخالده .. و التي تعدت وقته و زمانه
و عبر عن ذلك افضل تعبير من خلال رائعته لا تصالح و التي راينا فيها عريضة سياسية حقيقية .. الهبت حماس جماهير الشعب العربي من الشرق الى الغرب ضد الصلح مع الكيان الصهيوني
و عرفنا سويا .. كيف كانت كل نقطة من نقاط لا تصالح العشرة .. كلمات خالده محفورة في ضمير امتنا العربيه الى اليوم

—————-
فاصل صوتي – تقرير لمثقفين مصريين عن دنقل
—————-

كانت هذه كلمات قليله .. من كثير قاله رموز مصر الادبيه في الوقت الحالي ممن عاصروا امل دنقل و صادقوه و عاشروه و ارتوا بتجربته الشعريه من منبعها

و اليوم اعزائي .. نترك امل دنقل الشاعر السياسي الثائر جانبا .. و نحاول ان نتعرف على امل دنقل الانسان .. الذي حمل بين طياته الكثير من المشاعر المتاججه .. و التي لم يتحملها جسمه الضعيف .. فمات في سن الشباب .. تاركا لنا مشاعره خالدةً ابد الدهر

————

كلمات سبارتكوس الاخيره

————


( مزج ثالث ) :

يا قيصر العظيم : قد أخطأت .. إنّي أعترف

دعني- على مشنقتي – ألثم يدك

ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتف

فهو يداك ، و هو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدك

دعني أكفّر عن خطيئتي

أمنحك – بعد ميتتي – جمجمتي

تصوغ منها لك كأسا لشرابك القويّ

.. فان فعلت ما أريد :

إن يسألوك مرّة عن دمي الشهيد

و هل ترى منحتني ” الوجود ” كي تسلبني ” الوجود ”

فقل لهم : قد مات .. غير حاقد عليّ

و هذه الكأس – التي كانت عظامها جمجمته –

وثيقة الغفران لي

يا قاتلي : إنّي صفحت عنك ..

في اللّحظة التي استرحت بعدها منّي :

استرحت منك !

لكنّني .. أوصيك إن تشأ شنق الجميع

أن ترحم الشّجر !

لا تقطع الجذوع كي تنصبها مشانقا

لا تقطع الجذوع

فربّما يأتي الربيع

” و العام عام جوع ”

فلن تشم في الفروع .. نكهة الثمر !

وربّما يمرّ في بلادنا الصيف الخطر

فتقطع الصحراء . باحثا عن الظلال

فلا ترى سوى الهجير و الرمال و الهجير و الرمال

و الظمأ الناريّ في الضلوع !

يا سيّد الشواهد البيضاء في الدجى ..

يا قيصر الصقيع !

كانت صفات أمل الشخصية صفات صعيدية الطباع .. تلقائية لاقصى درجة ترى فيها الحس العالي بالرجولة, الكرامة التي لا تقبل التنازل مهما كان هيناً, الاعتزاز بالنفس إلى أبعد حد لدرجة عدها البعض نرجسية, الترفع عن الصغائر, الوفاء النادر, الإخلاص الحقيقي, المحبة الخالصة .. فامل كان ثائرا حقيقيا حتى في مشاعره و كان حين يحب شخصا .. فانه يحبه الى درجة الموت .. حتى وان دارت بينهما دوائر حرب و صلصلة سيوف .. فكنت تراه ينفعل على اصدقائه من الادباء فيسبهم علنا و يسبوه .. و تثور بينهم صراعات لفظية في ندوات ثقافيه او شعريه .. ثم تراهم سويا في ذات المساء يتضاحكون على احد المقاهي او في منزل احدهم وكان يملك من النهم المعرفي الذي لا يهدأ و لا تهدأ معه روحه تلك الروح التي كانت رمزا الانطلاق ولا تعرف السكون, تشعله رغبة المغامرة التي لا تخشى شيئاً, والوعي السياسي القومي الذي لا يقبل المهادنة ويرفض الاستسلام, و رغم فقره الشديد الذي جعل رموز جيله يطلقون عليه الشاعر الصعلوك .. كان يحتقر  المال على رغم حاجته اليه ربما .. لانه عرف المعنى الحقيقي للمال و راى فيه نقطة ضعف انسانيه .. جعل اعتداده بنفسه سببا في كرهه له
و الصمت .. كان ملمحا هاما من طبيعة دنقل
و كان من عشاقه المغرمين .. بل كان يمارسه  ممارسة حقيقة كل يوم و لساعات طوال .. و كانه يستلذ بما فيه
و يقول الذين احاطوا به .. انه كان يجلس مع والدته في زياراته المتقطعه الى مسقط رأسه لساعات طوال اليوم .. دون ان يقيم حوارا معها .. وهي ايضا لا تلفظ كلمة واحده او  تبادله الحديث
و حين يسال عن اسباب صمته في حضور والدته رغم بعده عنها لفترات طويله .. و كيف تستطيع هي ان تتحمل هذا الصمت
كان يجيب برقة متناهيه ..
هذا اجمل ما فيها .. انها تعرف كيف تصمت معي !!؟
كان الصمت و السكينه و الهدوء و الثورة و الانفعال و القوة و الصلابة  معا .. بل ان شعره ايضا .. عرف كيف يعبر عن هذا الصمت .. بالكلمات
————-

الكمان

————–

ماذا يتابعني أينما سرت صوت الكمان؟
…. …. ….. ……
أسافر في القطارات العتيقة،
(كي أتحدث للغرباء المسنين)
أرفع صوتي ليغطي على ضجة العجلات
وأغفو على نبضات القطار الحديدية القلب
(تهدر مثل الطواحين)
لكنها بغتةً..
تتباعد شيئاً فشيئاً..
ويصحو نداء الكمان !

أسير مع الناس ، في المهرجانات:
أصغي لبوق الجنود النحاسيّ..
يملأ حلقي غبار النشيد الحماسيّ..
لكنني فجأة… لا أرى!
تتلاشى الصفوف أمامي !
وينسرب الصوت مبتعداً..
ورويداً..
رويداً يعود إلى القلب صوت الكمان!

لماذا إذا تهيأت للنوم… يأتي الكمان؟..
فأصغي .. آتياً من مكان بعيد..
فتصمت: همهمة الريح خلف الشبابيك ،
نبض الوسادة في أذني،
تتراجع دقات قلبي،
وأرحل… في مدن لم أزرها!
شوارعها: فضة !
وبناياتها : من خيوط الأشعة ..
ألقى التي واعدتني على ضفة النهر… واقفة!
وعلى كتفيها يحط اليمام الغريب
ومن راحتيها يغط الحنان!
….. …….. …….
أحبك
صار الكمان… كعوب بنادق!
وصار يمام الحدائق.
قنابلَ تسقط في كل آن
….. ….. … ..
وغاب الكمانْ !


كنا مع رائعة امل دنقل الخالده .. الكمان
الان .. مع فاصل قصير .. نعود بعده لنتابع حلقنا

========
فاصل
========

, قدس امل الشعر .. و اعتبره مانحا لكل معاني الحياه .. حيث كان يعيش فيه , و كان الشعر له هو الجسارة المتناهية, والشجاعة القصوى في التعبير عن الراي  .. مهما كانت النتائج .. والتي كانت بعضا منها تعتيمٌ كامل على شعر امل دنقل من اجهزة الدولة المصريه .. فالرجل صنع  أسطورته الخاصة بوصفه أحد الذين وضعوا أنفسهم في موقع الهامشي المتمرد، الخارج عن المؤسسة الرسمية. ورغم أن قصائده عُدّت أيقونةً للمقاومة، والانحياز الكامل إلى مبدأ الحرية.
وربما لهذا لم تتحمل المؤسسة الرسمية في مصر أشعاره. عندما رحل عام 1983، كانت أعماله كلها قد صدرت في بيروت: «دار الآداب» نشرت «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» (1969)، وأصدرت «دار العودة» دواوينه الأخرى: «تعليق على ما حدث» (1971)، «مقتل القمر» (1974)، العهد الآتي» (1975). وحدهما ديواناه الأخيران صدرا في القاهرة: «أوراق الغرفة 8» عن «هيئة الكتاب»، و«أقوال جديدة عن حرب البسوس» عن «دار المستقبل». كانت المؤسّسة قد أطمأنّت إلى موته بالفعل و سكوت صوته الى الابد
وما ينطبق على النشر ينطبق على النقد. قليلة هي الدراسات التي تناولت أشعاره في حياته، أبرزها واحدة للراحل لويس عوض في جريدة «الأهرام» بعنوان «شعراء الرفض». هذه الدراسة كتبها عوض تعليقاً على حجب جائزة الدولة التشجيعية عن دنقل وشعراء جيله، باعتبار أنّ ما يكتبونه ليس شعراً. من هنا هو «جيل مرفوض وجيل رافض أيضاً». وحين كان الشاعر على فراش المرض، كتب يوسف إدريس صرخته الشهيرة «بالله لا ترحل يا أمل، فكلنا فداؤك»، مناشداً الدولة التدخّل لإنقاذ شاعر التمرد. لكنّ وزير الثقافة يومها عبد الحميد رضوان سأل: «من يكون أمل دنقل؟»

———————-

في انتظار السيف

———————-

وردة فى عروة السّرة:

ماذا تلدين الآن ؟

طفلا .. أم جريمة ؟

أم تنوحين على بوّابة القدس ؟

عادت الخيل من المشرق،

عاد (الحسن الأعصم ) والموت المغير

بالرداء الأرجوانىّ ، وبالوجه اللصوصى ،

وبالسيف الأجير

فانظرى تمثاله الواقف فى الميدان ..

(يهتّز مع الريح .!)

انظرى من فرجة الشبّاك :

أيدى صبية مقطوعة ..

مرفوعة .. فوق السّنان

(..مردفا زوجته الحبلى على ظهر الحصان)

أنظرى خيط الدم القانى على الأرض

((هنا مرّ .. هنا ))

فانفقأت تحت خطى الجند …

عيون الماء ،

واستلقت على التربة .. قامات السنابل .

ثم..ها نحن جياع الأرض نصطف ..

لكى يلقى لنا عهد الأمان .

ينقش السكة باسم الملك الغالب ،

يلقى خطبة الجمعة باسم الملك الغالب ،

يرقى منبر المسجد ..

بالسيف الذى يبقر أحشاء الحوامل .

***

تلدين الآن من يحبو..

فلا تسنده الأيدى ،

ومن يمشى .. فلا يرفع عينيه الى الناس ،

ومن يخطفه النخّاس :

قد يصبح مملوكا يلطون به فى القصر،

يلقون به فى ساحة الحرب ..

لقاء النصر ،

هذا قدر المهزوم :

لا أرض .. ولا مال .

ولا بيت يردّ الباب فيه ..

دون أن يطرقه جاب ..

وجندى رأى زوجته الحسناء فى البيت المقابل)

أنظرى أمّتك الأولى العظيمة

أصبحت : شرذمة من جثث القتلى ،

وشحّادين يستجدون عطف السيف

والمال الذى ينثره الغازى ..

فيهوي ما تبقى من رجال ..

وأرومة .

أنظرى ..

لا تفزعى من جرعة الخزى،

أنظرى ..

حتى تقيه ما بأحشائك ..

من دفء الأمومة .

***

تقفز الأسواق يومين ..

وتعتاد على ((النقد)) الجديد

تشتكى الأضلاع يومين ..

وتعتاد على الصوت الجديد

وأنا منتظر .. جنب فراشك

جالس أرقب فى حمّى ارتعاشك_

صرخة الطفل الذى يفتح عينيه ..
على مرأى الجنود!


. .. لم يكن مسموحا على الاطلاق باوامر حكومية غير رسميه لاي دار نشر مصريه نشر اي من اعماله .. كما اغلقت في وجهه جميع الدوريات الادبيه المصريه حتى ان مثقفي مصر كانوا يتخاطفون كتبه من خلال معرض القاهره للكتاب و ليس من خلال المكتبات المصرية .. و بدات تصنيفات عديده تلتصق به من سياسيو عصر الانفتاح و  ادباء النظام و السلطه .. حيث اعتبره البعض ملحدا و اخرون رؤوه يساريا متطرفا .. و لكنه كان يستهزئ بجميع هؤلاء .. معلنا لهم انه .. مجرد جنوبي .. يعيش في القاهره!!؟
بينما .. اكد الجميع بعد رحيل جسده عن دنيانا الفانيه
انه كان زرقاء يمامه في حد ذاته
يرى المستقبل .. من خلال نظرته الثاقبه لواقع مرير .. و يبشر بالمستقبل المظلم .. لو لم نغير ما فينا من بقع سوداء

——————

اوراق ابو نواس

——————

من أوراق أبونواس

(الورقة الأولى)

“ملِكٌ أم كتابهْ?”

صاحَ بي صاحبي; وهو يُلْقى بدرهمهِ في الهَواءْ

ثم يَلْقُفُهُ..

(خَارَجيْن من الدرسِ كُنّا.. وحبْرُ الطفْولةِ فوقَ الرداءْ

والعصافيرُ تمرقُ عبرَ البيوت,

وتهبطُ فوق النخيلِ البعيدْ!)

“ملِك أم كتابه?”

صاح بي.. فانتبهتُ, ورفَّتْ ذُبابه

حولَ عينيْنِ لامِعتيْنِ..!

فقلتْ: “الكِتابهْ”

… فَتَحَ اليدَ مبتَسِماً; كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ

باسماً في مهابه!

“ملِكٌ أم كتابة?”

صحتُ فيهِ بدوري..

فرفرفَ في مقلتيهِ الصِّبا والنجابه

وأجابَ: “الملِكْ”

(دون أن يتلعثَمَ.. أو يرتبكْ!)

وفتحتُ يدي..

كانَ نقشُ الكتابه

بارزاً في صَلابه!

دارتِ الأرضُ دورتَها..

حَمَلَتْنا الشَّواديفُ من هدأةِ النهرِ

ألقتْ بنا في جداولِ أرضِ الغرابه

نتفرَّقُ بينَ حقولِ الأسى.. وحقولِ الصبابه.

قطرتيْنِ; التقينا على سُلَّم القَصرِ..

ذاتَ مَساءٍ وحيدْ

كنتُ فيهِ: نديمَ الرشِيد!

بينما صاحبي.. يتولى الحِجابه!!

***

(الورقة الثانية)

من يملكُ العملةَ

يُمسكُ بالوجهيْن!

والفقراءُ: بَيْنَ.. بيْنْ!

***

(الورقة الثالثة)

نائماً كنتُ جانبَه; وسمعتُ الحرسْ

يوقظون أبي!..

- خارجيٌّ?.

- أنا.. ?!

- مارقٌ?

- منْ? أنا!!

صرخَ الطفلُ في صدر أمّي..

(وأمّيَ محلولةُ الشَّعر واقفةٌ.. في ملابِسها المنزليه)

- إخرَسوا

واختبأنا وراءَ الجدارِ,

- إخرَسوا

وتسللَ في الحلقِ خيطٌ من الدمِ.

(كان أبي يُمسكُ الجرحَ,

يمسكُ قامته.. ومَهابَتَه العائليه!)

- يا أبي

- اخرسوا

وتواريتُ في ثوب أمِّيَ,

والطِّفلُ في صدرها ما نَبَسْ

ومَضوا بأبي

تاركين لنا اليُتم.. متَّشِحاً بالخرَس!!

***

(الورقة الرابعة)

أيها الشِعرُ.. يا أيُها الفَرحُ. المُخْتَلَسْ!!

(كلُّ ما كنتُ أكتبُ في هذهِ الصفحةِ الوَرَقيّه

صادرته العَسسْ!!)

***

(الورقة الخامسة)

… وأمّي خادمةٌ فارسيَّه

يَتَنَاقَلُ سادتُها قهوةَ الجِنسِ وهي تدير الحَطبْ

يتبادلُ سادتُها النظراتِ لأردافِها..

عندما تَنْحني لتُضيءَ اللَّهبْ

يتندَّر سادتُها الطيِّبون بلهجتِها الأعجميَّه!

نائماً كنتُ جانبَها, ورأيتُ ملاكَ القُدُسْ

ينحني, ويُرَبِّتَ وجنَتَها

وتراخى الذراعانِ عني قليلاً

قليلا..

وسارتْ بقلبي قُشَعْريرةُ الصمتِ:

- أمِّي;

وعادَ لي الصوتُ!

- أمِّي;

وجاوبني الموتُ!

- أمِّي;

وعانقتُها.. وبكيتْ!

وغامَ بي الدَّمعُ حتى احتَبَسْ!!

***

(الورقة السادسة)

لا تسألْني إن كانَ القُرآنْ

مخلوقاً.. أو أزَليّ.

بل سَلْني إن كان السُّلطانْ

لِصّاً.. أو نصفَ نبيّ!!

***

(الورقة السابعة)

كنتُ في كَرْبلاءْ

قال لي الشيخُ إن الحُسينْ

ماتَ من أجلِ جرعةِ ماءْ!

وتساءلتُ

كيف السيوفُ استباحتْ بني الأكرمينْ

فأجابَ الذي بصَّرتْه السَّماءْ:

إنه الذَّهبُ المتلألىءُ: في كلِّ عينْ.

إن تكُن كلماتُ الحسينْ..

وسُيوفُ الحُسينْ..

وجَلالُ الحُسينْ..

سَقَطَتْ دون أن تُنقذ الحقَّ من ذهبِ الأمراءْ?

أفتقدرُ أن تنقذ الحقَّ ثرثرةُ الشُّعراء?

والفراتُ لسانٌ من الدمِ لا يجدُ الشَّفتينْ?!

ماتَ من أجل جرعة ماءْ!

فاسقني يا غُلام.. صباحَ مساء

اسقِني يا غُلام..

علَّني بالمُدام..

أتناسى الدّماءْ!!

آه

من يوقف في رأسي الطواحين

ومن ينزع من قلبي السكاكين

ومن يقتل أطفالي المساكين

لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء خدّامين

من يقتل أطفالي المساكين

لكيلا يصبحوا في الغد شحاذين

يستجدون أصحاب الدكاكين وأبواب المرابين

يبيعون لسيارات أصحاب الملايين الرياحين

وفي المترو يبيعون الدبابيس وياسين

وينسلون في الليل

يبيعون الجعارين لأفواج الغزاة السائحين

هذه الأرض التي ما وعد الله بها

من خرجوا من صلبها

وانغرسوا في تربها

وانطرحوا في حبها مستشهدين

فادخلوها بسلام آمنين

ادخلوها بسلام آمنين..

اختار امل دنقل الكتابة, وأدرك أن كتابة الشعر هي الفرح المختلس في الواقع المختل كما سماها, وآمن أن الفرح المختلس لا يكتمل إلا بالصدق , حتى لو صادرت العسس ما كتبه, أو غضب الغاضبون, فالخيانة للنفس هي التخلّي عن الصِّدْق من أجل المجاملة, أو من أجل مكسب سريع. و بناء عليه – ولكي يحافظ على صلابته الداخلية – قرر ان يستغني عن الكثير من الضروريات, فلم يمتلك سكناً, أو يعرف منزلاً دائماً, ولم يؤثّث بيتاً, ولم يستعبد نفسه بوظيفة تفرض عليه تنازلاً أو مهادنة, ولم يسع وراء المال الذي لم يكن يتحصّل منه إلا على ما يسد الرمق .. او يدفع حساب المقهى .. الذي كان دائم المديونية له رغم شهرته الواسعه .. ولم يكن يخجل من الاقتراض من أصدقائه القريبين مع علمه وعلمهم أن القرض لن يردّ, بل انه لم يستطع أن يقدم شبكةً لخطيبته من قصة حبه الكبيره التي سنتعرف على تفاصيلها بعد لحظات إلا بعد أن باع قطعة أرض ورثها عن أبيه في بلدته, وظل على حذر دائم من الأغنياء, معتزّاً بفقره والفقراء, شعاره ما قاله في احد قصائده :

هذه الأرض حسناء, زينتها الفقراء,
لهم تتطيبُ
يعطونها الحُبَّ, تعطيهم النسل والكبرياء

فكان أحد الفقراء واقعا لا في الخيال من برج عاجي كغيره من الذين يعيشون مغتربـين عن مجتمعهم , و كان من ضمن الذين يتكدّسـون – في صرخة الجوع – فوق الفراش الخشن

———————–
خمس أغنيات إلى حبيبتي..!؟
————————

علي جناح طائر
مسافر..
مسافر..
تأتيك خمس أغنيات حب
تأتيك كالمشاعر الضريرة
من غربة المصب
إليك: يا حبيبتي الاميره
الأغنية الأولى
مازلت أنت…..أنت
تأتلقين يا وسام الليل في ابتهال صمت
لكن أنا ،
أنا هنـــــــا:
بلا (( أنا ))
سألت أمس طفلة عن اسم شارع
فأجفلت……….ولم ترد
بلا هدى أسير في شوارع تمتد
وينتهي الطريق إذا بآخـر يطل
تقاطعُ ،
تقاطع
مدينتي طريقها بلا مصير
فأين أنت يا حبيبتي
لكي نسير
معا……،
فلا نعود،
لانصل.
الأغنية الثانية
تشاجرت امرأتان عند باب بيتنا
قولهما علي الجدران صفرة انفعال
لكن لفظا واحدا حيرني مدلوله
قالته إحداهن للأخرى
قالته فارتعشت كابتسامة الأسرى
تري حبيبتي تخونني
أنا الذي ارش الدموع ..نجم شوقنا
ولتغفري حبيبتي
فأنت تعرفين أن زمرة النساء حولنا
قد انهد لت في مزلق اللهيب المزمنة
وانت يا حبيبتي بشر
في قرننا العشرين تعشقين أمسيا ته الملونة
قد دار حبيبتي بخاطري هذا الكدر
لكني بلا بصر:
أبصرت في حقيبتي تذكارك العريق
يضمنا هناك في بحيرة القمر
عيناك فيهما يصل ألف رب
وجبهة ماسية تفنى في بشرتها سماحة المحب
أحسست أني فوق فوق أن اشك
وأنت فوق كل شك
وإني أثمت حينما قرأت اسم ذلك الطريق
لذا كتبت لك
لتغفري
الأغنية الثالثة
ماذا لديك يا هوى
اكثر مما سقيتني
اقمت بها بلا ارتحال
حبيبتي: قد جاءني هذا الهوى
بكلمة من فمك لذا تركته يقيم
وظل ياحبيبتي يشب
حتى يفع
حتى غدا في عنفوان رب
ولم يعد في غرفتي مكان
ما عادت الجدران تتسع
حطمت يا حبيبتي الجدران
حملته ، يحملني ،
الى مدائن هناك خلف الزمن
اسكرته ، اسكرني
من خمرة أكوابها قليلة التوازن
لم افلت
من قبضة تطير بي الى مدى الحقيقة
بأنني أصبت،….اشتاق يا حبيبتي

و قصة حب امل دنقل و الصحفيه الشابه وقتها .. عبلة الرويني .. تعد من اجمل ما عرف عالم الادب في مصر و العالم العربي من قصص حب رومانسيه بين روحين تلاقتا صدفة .. فتحولت الصدفة الى صداقه .. و من الصداقة الى مرحلة الحب و الهيام و منها الى الخطبة فالزواج
و كما هي قصص الحب الكبيره .. في كل كلاسيكيات الحب في الادب العالمي .. كانت قصة امل و عبله .. اشبه بميلودراما واقعيه .. ينتهي فيها الواقع بموت احد طرفيها .. و يبقى الحب بينهما خالدا .. لا يموت
كان اللقاء الاول بينهما
في عام 1975
حاولت وقتها عبلة الرويني الصحفية تحت التمرين في جريدة الاخبار المصرية اجراء مقابلة صحفيه مع امل دنقل .. كشاعر ثوري هز مشاعر الجموع في مظاهرات الطلبه .. قصائده السياسية تنتشر بين اجراء الوطن العربي و كلماته اصبحت شعارات ثورية .. تطلقها الحناجر الغاضبه .. ورغم تحذيرات زملائها الصحفيين في الجريده من ان هذا الحوار لن يجد ابدا طريقا للنشر الا انها اصرت .. و توجهت الى مقر الشاعر الدائم . و اكثر مقاهي القاهره قربا لقلبه .. مقهى ريش في وسط المدينه
هناك لم تجد عبلة من تبحث عنه .. وظلت تتردد يوميا في خجل واضح على المقهى تبحث عن دنقل جالسا على احد الكراسي الخشبيه القديمه
و لم يسعفها الحظ في ان تجده .. و عندما كسرت حدة خجلها .. وسالت احد العاملين في المقهى عنه .. اكد لها ان دنقل يتواجد فقط في فترة المساء ..و لا يحضر ابدا في الصباح الى المقهى
و اسقط في يديها .. حيث كانت من سكان حي مصر الجديده .. و كان من الصعب عليها الحضور لمقابلة الشاعر ليلا
فخطت بيدها كلمات بسيطه
على قصاصة ورقيه كتبت فيها
الاستاذ امل دنقل
يبدو ان العثور عليك مستحيل .. يسعدني اتصالك بي في جريدة الاخبار ..و يشرفني اكثر حضورك

و في اليوم التالي فوجئت عبلة الرويني باتصال هاتفي من الشاعر .. يسعدها مجددا موعدا للقاء الاول بينهما في دار الادباء بشارع القصر العيني
حيث كان اللقاء الاول .. و كانت نقطة تلاقي روحهما في بداية قصة تمتد بعدها الى النهايه

و تقول عبلة الرويني عن هذه القصاصه
“فيما بعد .. ادركت ان اتصال امل بي تيلفونيا و على احد خطوط جريدة “الاخبار” و صباحا .. كانت احداثا جديده على حياته .. لم يعتد ان يقوم بها على الاطلاق و قال لها دنقل فيما بعد ان حروف كلمات الرساله التي تركتها .. جذبته الى فعل كل هذه المنكرات من وجهة نظره .. و كان القدر كان يرسم صورة المستقبل القادم و يحتم اللقاء

و في الحلقة القادمة من برنامجنا .. نتابع سويا .. كيف كان اللقاء .. سببا و في التقاء روحيهما في قصة حب نادرة .. تثير الشجون  .. تماما كحياة مبدعنا الكبير .. الجنوبي .. امل دنقل

اصدقائي

في نهاية حديثي .. اعتذر لكم و لروح مبدعنا الخالد امل دنقل
و اعتذراي لكم انني
حاولت جاهدا .. ان اقصر هذه الحلقات عن حياته و ابداعه في ثلاثة اجزاء فقط
فعجزت .. و فشلت فشلا ذريعا .. لان شاعرنا الكبير .. مر بتجارب تفوق اضعافا مضاعفة مما قضاه بيننا على الارض .. ولا يمكن قصرها في حلقات ثلاث .. لذا استميحكم عذرا .. في ان نضيف جزءً اخر في حديثنا عن امل  ..
و اعتذاري لروح شاعرنا .. تتمثل في انني لن استطيع ابدا ان اوفيه حقه .. مهما طالت اجزاء الحلقات .. لانه اكبر و اعمق من ان يوصف مني او من غيري في كلمات

على امل اللقاء مع الجزء الرابع و الاخير حول هذا الشاعر العظيم السبت القادم ان شاء الله
و في انتظار تعليقاتكم و اراؤكم و ابداعاتكم الشعريه مكتوبة او صوتيه .. على ايميل البرنامج
ebdaa@zamalek.fm
تقبلوا تحياتي و مودتي
شادي المحمودي

\/ More Options ...
Change Theme...
  • Users » 83
  • Posts/Pages » 242
  • Comments » 901
Change Theme...
  • VoidVoid « Default
  • LifeLife
  • EarthEarth
  • WindWind
  • WaterWater
  • FireFire
  • LightLight

الرئيسية



    No Child Pages.

الارشيف



    No Child Pages.

من انا



    No Child Pages.